الشيخ علي المشكيني
164
رسائل قرآنى
يقدر عليه إلّاهو . ثمّ إنّ الذكر يشمل الجميع ، حتّى الآية والآيتين ، فهو تعالى حافظ لما هو ذكر وقرآن بألفاظه ومعانيه عن النسيان والضياع ، كما قد يعرض ذلك على بعض الكتب ، وعن الزيادة فيه والنقصان . ودلالة الآية على عدم التحريف بالنقيصة أوضح منها على عدمه بالزيادة . ولا يرجع الحفظ إلى المعنى فقط ؛ إذ لا معنى لبقاء المعنى مع زوال اللفظ وضياعه . فإن قلت : القرآن عبارة عن مجموع كلام غيبي إلهي ، حاك عن معان مقصودة ، وله وجودات في صفحة التكوين : الوجود العيني ، وهو ما يقرأ ويتلى ويجري على ألسنة المكلّفين ؛ والوجود الكتبي ، وهو المنقوش على القراطيس ونحوها ؛ والوجود الذهني ، وهو المتحقّق الحاصل في أذهان الحافظين له عن ظهر القلب مثلًا . وعلى أيّ تقدير : فإذا وعد اللَّه حفظه فهل الموعود بقاء الوجود العيني أو الكتبي أو الذهني ؟ وعلى الأوّل فهل المراد بقاؤه على ألسن الملائكة ، أو على لسان الحجّة المعصوم الذي لا تخلو الأرض من وجوده ، أو على ألسنة سائر الناس ؟ وعلى الثاني فهل المراد بقاء ما هو مكتوب على اللوح المحفوظ ، أو ما كتبه مولانا عليّ عليه السلام بيديه ، وعرضه على الناس في عصره ، ثمّ أخفاه ، أو ما يكتبه الناس على القراطيس ؟ وعلى الثالث أيضاً هل المراد بقاؤه في أذهان الملائكة ، أو قلب الحجّة والوصيّ ، أو قلوب الناس ؟ قلت : الآية تصرّح بأنّ الحفظ الموعود إنّما هو بعد الإنزال وتحقّق النزول ، وليس المراد نزوله عن علمه الأزلي إلى اللوح المحفوظ ، أو إلى السماء الدنيا ، أو إلى قلب النبيّ فقط ؛ بل المراد النزول إلى الخلق ، والهبوط إلى لسان النبيّ صلى الله عليه وآله ، وألسنة امّته ، والتحصّل في قلوبهم وأذهانهم ؛ إذ هو الغرض الأصلي من إنزاله ؛ فالمراد حفظه في وعاء نزوله ومنزل استقراره المقصود من إنشائه وإرساله ، وهو وجوده بين الناس ولو عند عدّة من المؤمنين بحيث يتمكّن غيرهم من الوصول إليه . وبعبارة أخرى : أنّ الإنزال علّة محدثة ، والحفظ علّة مبقية ، والكلّ راجع إلى وعائه المقصود ، وهو وعاء المجتمع قلوبهم وألسنتهم وكتبهم .